انا المصرى....انا موش سعيد

ana mosh sa3eed...ana mosh happy

Thursday, August 18, 2005

غزه



كل العالم شاهد الفظاعة: فتى فلسطيني جريح ملقى على الأرض، فاقد الوعي. جندي لا حول له ولا قوة منحن فوقه. مستوطن يقترب من الخلف ويرمي على رأسه المصاب حجرا كبيرا. مستوطن آخر يرمي عليه حجرا كبيرا آخر. مضمّد بلحية، وهو الآخر مستوطن، يقترب من الجريح، يتردد ويترك المكان دون أن يعالجه، بينما جمهور من الشباب والشابات يرافقه بالصراخ: دعه يموت! دعه يموت



كل العالم أيضا شاهد ما سبق ذلك: مستوطنون اقتحموا بيتا فلسطينيا على شاطئ غزة وأقاموا به "نقطة استيطانية". كان بيتا جميلا، جديدا، من ثلاث طوابق وأصحابه لم يسكنوه بعد. على الجدار الخارجي كتب بأحرف كبيرة: محمد خنزير

بين المقتحمين وبين الفلسطينيين في البيوت المجاورة اندلعت معركة حجارة. بعض الجنود وقفوا بينهم، أطلقوا النار فوق رؤوس الفلسطينيين ولم يفعلوا شيئا لوقف المخلين بالنظام

قبل ذلك بيومين حاولت جرافات تابعة للجيش هدم بعض الأبنية القديمة، كانت متروكة منذ الحكم المصري. مجموعة من الفتيان والفتيات من اليمين المتطرّف تسلقوا على الجرافة، كسروا واقتلعوا منها أجزاء، ركلوا الجنود بوجوههم، شتموهم واستفزوهم، بينما وقف الجنود مكتوفو الأيدي. في وقت سابق دهست جرافة كهذه ريتشل كوري، متطوعة أمريكية حاولت منع الجرافة من هدم بيت، وقتلتها

وصلت سلسلة الأحداث ذروتها، يوم الأربعاء الأخير، عندما قام المستوطنون بسد الطرق الرئيسية في أنحاء البلاد مرة أخرى. في الليلة التي سبقتها ظهر على شاشة التلفزيون شبتاي شيران، أحد قادة المخلين بالنظام، وعرّف نفسه بأنه "رئيس القيادة الشمالية" لسادّي الطرق. أجريت معه مقابلة مطوّلة كضيف شرف، وأذاع ببث حي أوامره بشل الدولة وكأنه متحدث باسم الحكومة. لم تنتظره الشرطة في مدخل الأستوديو لتعتقله بتهمة الإرهاب، التحريض والتآمر لارتكاب مخالفة، بل على العكس من ذلك، استُدعي في اليوم التالي ليتباهى بانتصاره

صباح يوم "سد الطرق" اكتشفت الشرطة في الشارع رقم 1 بقعة من الزيت ومسامير نينجا (مسامير معدنية خاصة لثقب إطارات السيارات). يسمح بالقيادة في هذا الشارع بسرعة 110 كم في الساعة، وكثيرون يتجاوزونها. كارثة كبيرة منعت بأعجوبة. لكن الدولة كلها رضخت للإرهاب: أجّل معظم السائقين سفرهم إلى يوم آخر، وحركة السير في الشوارع كانت كما هي عليه يوم السبت

خلال اليوم سد المستوطنون الطرق في أماكن كثيرة. أبعدتهم الشرطة بالأيدي. في موقع واحد فقط استخدمت سيارة لرش المياه، وكانت أشبه بقطارة: التدفق الضعيف للمياه لم يكفي لإبعاد حتى مخل واحد بالنظام. ولكن هذا الموقف بدا جميلا في الصور

لم تستخدم الشرطة، في أي من عمليات الإخلال بالنظام، الوسائل التي تستخدمها يوميا ضد متظاهرين مسالمين من اليسار: هروات، غاز مسيل للدموع، عيارات مطاطية، ومؤخرا عيارات ملح أيضا. من تجربتي الشخصية أشهد من أنه لا يبقى أي شخص في مكانه عندما تلقلى باتجاهه قنابل غاز

للتذكير: قبل خمس سنوات قامت جماعات من المواطنين العرب بسد بعض الشوارع في الشمال، كرد فعل عفوي على قتل فلسطينيين في الأقصى. "لكي تؤمن الشرطة حرية حركة السير على الطرقات" أطلقت الرصاص الحي، وقُتل 13 مواطنا. ولكنهم طبعا لم يكونوا سوى عرب



كان من السهل جدا وضع حد للكل الإخلالات بالنظام التي حدثت هذا الأسبوع. في الحالات القليلة التي قرّرت فيها السلطة إبعاد المخلين بالنظام، نفذت ذلك بسهولة. على سبيل المثال، غداة اللنش المصوّر الذي نفذه المستوطنون بالفتى العربي، أبعدت الشرطة المخلين بالنظام الذين تحصّنوا في الفندق المجاور. وكان هؤلاء قد أقسموا أن يقاتلوا حتى الموت. وأبعدوا من المكان خلال 30 دقيقة دون أن يصاب أحد بجروح. قادتهم أصحاب اللسان الطويل اختفوا قبل ذلك

لماذا لم تُخمد كل الإخلالات في كل الأماكن؟ لا مفر من الاستنتاج البسيط: لا توجد لأريئيل شارون مصلحة في ذلك. بل على العكس، إنه معني في أن تمتلئ شاشات التلفزيون في البلاد وفي العالم بصور الشغب الفظيعة. وهكذا يزرع في ذهن المشاهد السؤال المرغوب به، وهو نفس السؤال الذي سألني إياه قائد سيارة أجرة، هذا الأسبوع، في تل أبيب، ورددوه كل الصحفيين الذين أجروا معي مقابلات في هذه الأيام: "إذا سبب إخلاء بعض المستوطنات الصغير هذا الشغب كيف يمكننا أن نفكر بإخلاء المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية؟"

يُثار ذلك السؤال ذاته على ضوء الثمن الاقتصادي "للانفصال". يتحدث وزير المالية الآن عن "ثمانية وحتى عشرة مليارات شيكل". هذا يعني خمسة ملايين (5,000,000) شيكل جديد لكل عائلة. في كل يوم تقريبا تزيد مدفوعات الديّة للذين سيتم إخلاؤهم. قطعة أرض، فيلا جديدة، وحتى ذلك الحين "كرافيلا" (كرفان على شكل فيلا)، وهي أيضا ستبقى في حوزتهم، تعويضات عن فقدان مصدر الرزق، المشاركة في المصاريف، قطعة أرض إضافية للمزارعين بنسبة اثنان وحتى ثلاثة دنومات مقابل كل دونم.

وفق كل الحسابات: لو أرجعوا للمستوطنين استثمارهم الحقيقي الذي استثمروه، وليس بعشرة أضعاف، فكان المبلغ سيصل إلى كسرة من هذا المبلغ الضخم.

كل هذه الوعود مضمونة أيضا للمستوطنين المُزمع انتقالهم للسكن على مسافة ثلاثين كيلومترا من مكان سكناهم الحالي. لقد وُعدوا هذا الأسبوع بإقامة مجلس إقليمي خاص بهم. لن يكون هذا المجلس أول مجلس إقليمي في البلاد يقام على ركيزة أيديولوجية، بل سيكون أيضا مصدر رزق لعشرات من نشطاء المستوطنين الذين سيكونون أجيرين في هذا المجلس. هناك مئات عديدة من المستوطنين في الضفة الغربية أيضا، ومن بينهم معظم الزعماء، الذين يعيشون على حسابنا كأصحاب وظائف مبتدعة من قبل المجالس الإقليمية

هنا أيضا سيتساءل المواطن البسيط: إذا كان نقل 1700 عائلة سيكلفنا ثمانية مليارات شيكل جديد، فكم سيكلفنا نقل حوالي 40,000 عائلة تستوطن الضفة الغربية؟



استعراضات هذا الأسبوع هي ديباجة للاستعراض الكبير المرعب المتوقع عرضه بعد سبعة أسابيع، وهو الوقت المزمع فيه تنفيذ الإخلاء من الناحية الفعلية. يتحدثون، منذ الآن، عن قوى هائلة ستشارك في العملية. 3000 إعلامي من مختلف أنحاء العالم سيضمن صدى إعلاميا دوليا. سيتم عرض الحدث كحملة كبيرة وسيظهر أريئيل شارون وكأنه أحد عظماء التاريخ، نوع من التهجين بين هرقل وشمشون الجبار. بعد مجهود عظيم كهذا، من سيطالبه بتحمل مسئولية المهمة المستحيلة وهي إخلاء المستوطنات في الضفة الغربية؟

شارون ذاته لا يُخفي نواياه. بل على العكس، إنه يعلنها بشكل واضح وصريح. ففي خطابين رئيسيين عرّف نواياه هذه بنص مشابه، كلمة بكلمة، إلا أن وسائل الإعلام الضحلة كانت مشدودة من أقواله عن البلطجيين ولم تنتبه إلى البيت القصيد

لقد قال شارون أن الانسحاب من غزة مطلوب لتكثيف الجهود الحقيقية التي ستضمن سيطرة إسرائيل "في الجليل والنقب، في القدس الكبرى، في الكتل الاستيطانية وفي المناطق الأمنية"

علينا وضع هذه الكلمات الاثنتي عشرة على الخريطة، لتتضح الصورة تماما




تم ذكر "الجليل والنقب" تيمّنا بالاستعارة. إنهما تابعان لأريئيل شارون منذ القدم، وتتم فيهما حملة متواصلة "لتهويدهما". نصف سكان الجليل تقريبا من العرب، والوضع في النقب مشابه.

"القدس الكبرى" لا تشتمل الأحياء العربية في شرقي المدينة فقط، بل تضم أيضا معاليه أدوميم والمناطق الواقعة بينها وبين مدينة القدس والمدعوة إي-1

"الكتل الاستيطانية" تشمل غوش عتصيون الموسعة، كتلة أريئيل، كتلة موديعين عيليت، كتلة بيتار عيليت وكتلة معاليه أدوميم. ولكنها لا تقتصر على هذه المناطق فقط يمكن لشارون أن يعرّف أي منطقة أخرى بهذا التعريف، مثل كريات أربع وجنوبي جبل الخليل

أما أهم كلمتين فهما "المناطق الأمنية". يقضي مفهوم شارون بأن هذه المناطق تشتمل على غور الأردن و "غاف ههار"، وكذلك كل المحاور الشرقية-الغربية والشمالية-الجنوبية التي أقام عليها المستوطنات، في إطار مجهوده متعدد السنوات

تصادق هذه الجملة، إذن، على ما صرّح به شارون في الماضي: أنه ينوي ضم 58% من الضفة الغربية إلى إسرائيل بحيث تشتمل الدولة الفلسطينية التي هو على استعداد للموافقة عليها، على حوالي 10% فقط من فلسطين الانتدابي

يهدف الاستعراض المرعب الحالي لإريئيل شارون دفع هذه الرؤيا قدما، التي يعتبرها هو مشروع حياته. يقوم المستوطنون، الذين يشتمونه ويهددون بقتله، بالدور الذي خصصه لهم فقط في المسرحية. إنه على قناعة منذ بداية طريقه أن الله أو القدر قد اختاراه للقيام بهذه الوظيفة التاريخية

تكمن مهمة معسكر السلام الإسرائيلي في إحباط هذه الرؤيا، وذلك عن طريق استغلال ديناميكية الأزمة بهدف فتح الطريق أمام إنهاء النزاع التاريخي. المستوطنات هي العائق الأساسي في التوصل إلى تسوية بين الشعبين. ومن حيث لا يشعر شارون بذلك، يتسبّب استعراضه المرعب في انتفاض الجمهور ضد المستوطنين وعزل معسكرهم بأكمله. يجب أن نضمن عدم اختفاء هذه الموجة مع انتهاء الانفصال، بل على العكس، يجب أن تتعاظم وتؤدي إلى إنهاء الاحتلال في الضفة الغربية والقدس الشرقية أيضا.

إذا حدث ذلك فستكون نتيجة هذا الاستعراض المرعب نتيجة إيجابية بالذات، خلافا لنوايا أريئيل شارون ذاته






أوري أفنيري - كاتب و محلل اسرائيلى معلقا على نوايا شارون وراء الانسحاب الاسرائيلى من غزه

3 Comments:

Post a Comment

<< Home